ابن عجيبة
255
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولما استقر بنو إسرائيل بالشام طلبوا من نبيهم نزول الكتاب وتقرير الشرائع ، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى بقوله : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 142 ] وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ( 142 ) يقول الحق جل جلاله : وَواعَدْنا مُوسى ؛ لإنزال الكتاب ثَلاثِينَ لَيْلَةً من ذي القعدة ، وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ من ذي الحجة ، فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ بالغا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، روى أنه عليه السّلام وعد بني إسرائيل ، بمصر ، أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من اللّه تعالى ، فيه بيان ما يأتون وما يذرون ، فلما هلك فرعون سأل ربه فأمره بصوم ثلاثين ، فلما أتم أنكر خلوف فيه فتسوك ، فقالت الملائكة : كنا نشم منك رائحة المسك فأفسدته بالسواك ، فأمره اللّه تعالى أن يزيد عليها عشرا ، ثم أنزل عليه التوراة . وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ ، عند ذهابه إلى الطور للمناجاة : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي أي : كن خليفتي فيهم وَأَصْلِحْ ما يجب أن يصلح من أمورهم ، أو كن مصلحا ، وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ أي : لا تتبع سبيل من يسلك الإفساد ، ولا تطع من دعاك إليه . الإشارة : كل من انقطع إلى اللّه تعالى بكليته واعتزل عن الخلق ، وأخلى قلبه عما سوى الحق ، حصلت له المناجاة والمكالمة ، كما وقعت للكليم عليه السّلام ، وكل ما منحه اللّه للأنبياء يكون منه نصيب للأولياء من هذه الأمة ، واللّه تعالى أعلم . وفي الحديث : « من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » « 1 » . قال بعض الحكماء : والسر في ذلك أن اللّه تعالى أمر بطينة آدم فخمرت في الماء أربعين يوما ، فتربى فيها أربعون حجابا ، فلو لا تلك الحجب ما استطاع المقام في الأرض ، فمن أيده اللّه على زوالها تشبه بالملأ الأعلى ، وخرقت له العوائد ، وأشرق النور من قلبه . ولهذا المعنى بقي داود عليه السّلام ساجدا أربعين يوما ، فقبلت توبته ، ومكث إبراهيم عليه السّلام في نار النمرود أربعين يوما ، فاتخذه اللّه خليلا ، وكان بعد ذلك يقول : ما رأيت أحلى من تلك الأيام ، فمن أخلص في عبادته وأزال تلك الحجب عن قلبه كان ربانيا . قال تعالى : وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ « 2 » . انظر الشطيبى . ويؤخذ من الآية أن الشيخ إذا أراد أن يسافر من زاويته ينبغي له أن يخلف خليفة عنه ليقوم له بنظام الزاوية ، إذ لا خير في قوم ليس فيهم من يعظهم في اللّه . وبالله التوفيق .
--> ( 1 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية ، بسند ضعيف عن أبي أيوب . ورواه أحمد بنحوه عن مكحول مرسلا . راجع كشف الخفاء ( 2 / 224 ) . ( 2 ) من الآية 79 من سورة آل عمران .